أحمد بن علي القلقشندي
281
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الجملة الرابعة ( في ذكر ملوك هذه المملكة ) قد تقدّم أن هذه المملكة قد اجتمع بها خمسة ( 1 ) أقاليم ، وهي : إقليم مالَّي ، وإقليم صوصو ، وإقليم غانة من الجانب الغربيّ عن مالَّي ، وإقليم كوكو ، وإقليم تكرور في الجانب الشرقي عن مالَّي ، وأن كلّ إقليم من هذه الخمسة كان مملكة مستقلة ، ثم اجتمع الكلّ في مملكة صاحب هذه المملكة ، وأن مالَّي هي أصل مملكته . قال في « مسالك الأبصار » : وهو وإن غلب عليه عند أهل مصر اسم سلطان التّكرور فإنه لو سمع هذا أنف منه ، لأن التّكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته ، والأحبّ إليه أن يقال ( صاحب مالَّي ) لأنه الإقليم الأكبر ، وهو به أشهر . ونقل عن الشيخ سعيد الدّكَّاليّ : أنه ليس بمملكته من يطلق عليه اسم ملك إلا صاحب غانة وهو كالنائب له وإن كان ملكا . وكأنه إنما بقي اسم الملك على صاحب غانة دون غيره لعدم انتزاعها منه والاستيلاء عليها استيلاء كلَّيّا . فقد قال في « التعريف » : وأما غانة فإنه لا يملكها وكأنه مالكها ، يتركها عن قدرة عليها : لأن بها وبما وراءها جنوبا منابت الذهب . وذكر ما تقدّم من أن بلاد منابت الذهب متى فشا فيها الإسلام والأذان ، عدم فيها نبات الذهب ، وصاحب مالَّي يتركها لذلك لأنه مسلم ، وله عليها إتاوة كبيرة مقرّرة تحمل إليه في كل سنة . وقد ذكر صاحب « العبر » : أن هذه الممالك كانت بيد ملوك متفرّقة ، وكان من أعظمها مملكة غانة . فلما أسلم الملثّمون من البربر ، تسلَّطوا عليهم بالغزو حتّى دان كثير منهم بالإسلام ، وأعطى الجزية آخرون ، وضعف بذلك ملك غانة واضمحلّ ، فتغلَّب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم ، وملكوا غانة من أيدي أهلها . وكان ملوك مالَّي قد دخلوا في الإسلام من زمن قديم .
--> ( 1 ) في الأصل سبعة ، ولعل الناسخ نسخها سبعة سهوا لان المعدود هنا خمسة . وقد جاء هذا الاستدراك أيضا في طبعة دار الكتب المصرية .